منذ فجر التاريخ، كان السراج الفلسطيني أكثر من مجرد أداة لتبديد الظلمة؛ فقد كان شاهداً صامتاً على حكايات الأجداد، ورفيقاً للحياة اليومية في القرى والمدن الفلسطينية القديمة. يمثل السراج قطعة فنية اختزلت علاقة الفلسطيني بأرضه، حيث استمد نوره من شجر الزيتون المبارك، وشكلت صناعته تطوراً حضارياً انتقل من الطين البدائي إلى المعادن المزخرفة، ليظل حتى يومنا هذا رمزاً للنور والعلم والتمسك بالجذور.
لم يترك الفلسطينيون تفصيلاً في حياتهم إلا ووثقوه في أمثالهم، وكان للسراج نصيب الأسد لأنه كان رمزاً للعطاء والتضحية وأحياناً المفارقة:
- "زي سراج البيت.. بيضوي على البرّاني وبيخلي الجوّاني": يُضرب هذا المثل للشخص الذي يفيض خيره وفضله على الغرباء والناس البعيدين، بينما يحرم أهل بيته وأقاربه من هذا الخير.
-"سراج الفتيلة ما بيعطي إلا القليلة": يُقال هذا المثل للدلالة على القناعة، أو لوصف الشيء الذي يعطي فائدة محدودة لكنها مستمرة ومستقرة، فالسراج رغم ضوئه الخافت كان كافياً لجمع العائلة.
-"فلان مثل السراج.. كل ما زاد زيته زاد نوره": مثل يُضرب للرجل الكريم الذي كلما زاد ماله أو علمه، زاد نفع الناس به وبركته عليهم.
-"خبي زيتاتك لسرجاتك": دعوة صريحة للتدبير والتوفير للأوقات الصعبة (أوقات الظلام)، وهي تعكس أهمية تأمين الوقود (الزيت) لضمان استمرار الحياة في البيت.
تعددت وظائف السراج لتشمل كافة مناحي الحياة الاجتماعية والدينية والعملية:
1- في التعليم والحياة العلمية: كان السراج هو الرفيق الدائم لطلبة العلم في "الكُتّاب" وفي بيوتهم، وعلى ضوئه كُتبت المخطوطات وحُفظ القرآن الكريم والكتب السماوية.
2- في الممارسات الدينية: كان السراج جزءاً لا يتجزأ من طقوس العبادة، حيث تُضاء السرج النحاسية الضخمة في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، مما يضفي هيبة وقدسية على المكان.
3- في الحقول والبيارات: خلال مواسم الحصاد أو "جداد الزيتون"، كان العمال يستخدمون السرج المتنقلة (المحمولة) لإتمام أعمالهم في الصباح الباكر قبل شروق الشمس أو في المساء.
4- في المناسبات الاجتماعية: كان السراج يُستخدم في الأفراح والزفات قبل ظهور الفوانيس الكهربائية، حيث كان يُحمل لإضاءة طريق العروسين في أزقة القرى القديمة.
لم يكن تصميم السراج عشوائياً، بل خضع لهندسة بسيطة وفعالة تضمن استمرارية الإضاءة لأطول فترة ممكنة:
1- الجسم أو الخزان: وهو الوعاء الرئيسي الذي يُسكب فيه الزيت، صُمم بشكل يمنع تسرب السوائل ويحافظ على توازن السراج عند وضعه على السطح.
2- المصب أو المنقار: هو الجزء البارز الذي يخرج منه طرف الفتيلة، ويُراعى في تصميمه أن يكون ضيقاً بما يكفي لمنع تبخر الزيت بسرعة ولتثبيت الفتيلة في مكانها.
3- الفتيلة (الذُبالة): تُصنع بعناية من خيوط القطن الطبيعي أو الكتان المجدول، وكان يتم اختيار سمكها بناءً على شدة الإضاءة المطلوبة؛ فكلما كانت الفتيلة أعرض، كان النور أقوى.
4- المقبض أو العروة: جزء جانبي يُستخدم لحمل السراج دون التعرض لحرارة الزيت، أو لتعليقه في "المشكاة" (فتحة صغيرة في الجدار العريض للبيت القروي).
تنوعت الخامات التي صنع منها السراج الفلسطيني وفقاً للحقبة الزمنية والطبقة الاجتماعية، لكنها تميزت جميعاً بقدرتها على تحمل الحرارة:
1- الفخار والصلصال: هو النوع الأقدم، حيث كان الفلاحون يصنعونه من طين الأرض الفلسطينية، ثم يُحرق في أفران خاصة (الفواخير) ليصبح صلباً. تميزت السرج الفخارية بفتحات دقيقة للفتيلة وخزان بيضاوي يسهل حمله.
2- المعادن النفيسة والصلبة: مع تطور العصور، دخل النحاس والبرونز والحديد في الصناعة، خاصة في المدن الكبرى مثل القدس ونابلس والخليل. كانت هذه السرج تُزين أحياناً بنقوش إسلامية أو مسيحية وتعلق في أسقف المساجد والكنائس الكبرى، وكانت تعمر لسنوات طويلة جداً.
3- الزجاج التقليدي: في مراحل لاحقة، وتحديداً في معامل زجاج الخليل الشهيرة، صنعت قوالب زجاجية للسراج لتسمح برؤية مستوى الزيت بداخلها، مما أضاف لمسة جمالية وعملية في آن واحد.