يقع مسجد النبي روبين في قرية روبين قضاء الرملة، وجانبه مقام روبين وهو من المقامات القديمة في فلسطين التي قصدت للزيارة وله موسم ديني منذ الفترة الأيوبية والمماليك حيث عُمر ووسع هذا المقام وله ساحات واسعة.
كان للمسجد مئذنة وتسعة آبار تغذيه، أما المقام فقد أقيم على هيكل كنعاني، وأن الموسم نفسه يعود تاريخياً إلى أصل وثني قديم.
والمقام أقدم من المسجد، فقد بُني، وفقًا لنقش، بأمر من حاكم غزة المملوكي، تمراز المؤيدي، بين عامي ١٤٣٦ و١٤٣٧. وقيل أن القبر الذي في المقام هو النبي للنبي روبين أحد أبناء النبي يعقوب. ويُحتمل أن يكون القبر قبر شيخ عربي.
كانت تقام في هذا المسجد والمقام أهم المواسم الدينية بعد موسم النبي موسى، كان هذا الموسم يدوم من تموز/يوليو إلى أيلول/سبتمبر، وكان الناس يتوافدون إلى المقام من يافا واللد والرملة، ومن قرى المنطقة. وكانوا ينشدون الأناشيد الدينية والدنيوية/الشعبية، ويرقصون الدبكة، ويقيمون الأذكار، ويشاهدون سباقات الخيل والألاعيب السحرية، ويستمعون إلى الوعاظ أو إلى الزجالة. وكان المشاركون في هذه الأنشطة يقيمون في خيام يضربونها حول الموقع، وتقدّم لهم المرطبات من مقاه ومطاعم مؤقتة. وكانوا يشترون البضائع من أكشاك تقام هناك لهذه الغاية.
انتهت هذه المواسم وأصبح المسجد والقبر مهجوراً بعد حرب 1948م وتهجير أهلها منها.
المراجع:
1-موقع متراس https://metras.co/ يوم 22 /1 /2026
2- موسوعة القرى الفلسطينية / قرية النبي روبين.
روبين موسم بيجي مع موسم التين"، يحلُّ ويرحل معه، هكذا كان يقول بدو عرب روبين الذين توطّنوا رمالَ ضفاف نهرِهِ ومقامِهِ منذ قبل زمن العثمانيين.1 مِنهم عرب الملالحة من بني عامر2، ومنهم الرميلات الذين سُمّوا كذلك نسبةً إلى رمال قرية يَبنا الواقعة منهم شرقاً، وقد امتدّت مضاربُهم من عند المقام على حافة البحر حتّى مضارب عرب السُكرير (الصُقرير) جنوباً.3 غَرس عُربان روبين التينَ حول مقامِهِ بأيديهم، فقدَّسوا المقامَ وتينِهِ معاً إلى حدٍّ قالوا فيه: "في تشرين يسقط ورق التين، إلا في روبين"، وذلك في إشارةٍ مجازيّة إلى قداسة المَقام الذي يأبى ورقُ شجر تينه السقوط عنه.
جاورت قبيلتا الملالحة والرميلات بكافة عشائرِهِما المقام، وقد أُوكِلَت إلى بعضِ عوائلها منذ مطلع القرن التاسع عشر مهمةُ حِراسة المقام والإشرافِ عليه، بأمرٍ من أبو نبوت حاكم يافا.4 فكان أبناءُ هذه القبائل شهوداً دائمين على زواج ماءِ النهر بماء البحر، أي ماء نهر روبين الذي كان ينحر الرملَ غرباً إلى البحر الأبيض المتوسط.
عَرِف بدو روبين ماء "عين المليّحة" أو "عين المالحة" المجاورة للمقام، والتي كان ماؤها مثلما قالوا "صافي مثل عيون البوم"5. عين المليّحة، هي ماء روبين ومقامه، والتي كان يرِدها الناسُ والخيل معاً، فغنّت لها كلُّ نساء ساحل فلسطين الجنوبيّ:
"خيل أهلنا زايرة النبي روبين
وشاربة دم العدا بالفناجين…
واشربي يا خيل أهلنا... واشربي يا خيل أهلنا".6
ظلّت عربانُ بدو روبين مقيمةً عنده حتى اقتلاعِهم عام النكبة، ياوموا المقامَ ونهره، فعنده حلفوا اليمين كلّما واجهوا بعضهم البعض، وعنده أقاموا طقوس قصّ شعر صبيانهم وختانهم. كانت علاقتهم بروبين يوميّةً، لا موسميّةً مثل باقي سكان أقضية يافا والرملة واللد وحتى غزّة. فقد قدّس بدو روبين المقام ونأَوا بأنفسهم عن موسمه.
المقام وموسمه
يقع مقامُ النبيّ روبين على الضفة الشماليّة من نهر روبين، والذي كان يُعرَف زمن الكنعانيين بنهر بعل، وهو امتدادٌ لماء وادي الصرار القادم من جبال القدس. يبعد المقامُ عن يافا 15 كم جنوباً منها، وعن الرملة من غربها أيضاً ما يقارب الـ14 كم، بينما لا يفصل المقامُ عن البحر منه غرباً سوى كيلومترين.
في عام 1933، عُثِر عند المقام على لوحٍ صخريّ هَشّمَت بعضَه الأيامُ، منقوشٌ عليه: "بسم الله الرحمن الرحيم، أصدر سعادة سيف الدين تمراز المؤيدي الأشرفي، حاكم غزة الأمر ببناء هذا القبر المبارك لنبي الله، روبين عليه السلام.... الناصري وملعون وابن ملعون كل من يلحق الأذى بساكنه".7 يؤكّد هذا النقشُ أنَّ بناءَ المقام فوق ضريح النبيّ روبين يعودُ إلى العصر المملوكيّ حين أصدر السُّلطان الأشرف خليل بن قلاوون بين السنوات 1291-1293م، الأمرَ لحاكم غزّة تمراز الأشرفي ببنائه.8 إذ اهتم سلاطينُ المماليك ببناء الأضرحة والمقامات للأنبياء والأولياء في فلسطين، كما عزّزوا فكرة زيارتها موسميّاً على شكلِ حجيجٍ وطقوس جماعيّة، وذلك في ظلِّ حربِهم مع الصليبيّين وحركة الحج الصليبيّ الدائمة عبر البحر إلى فلسطين في حينه.910 وكان بناءُ المقام الذي ظلَّ على ما هو إلى ما بعد النكبة، مكوّناً من غرفتين بقبتين فيهما الضريح، وساحة خارجيّة محاطة بسور.
إلى ذلك العصر، أي منذ أواخر القرن الثالث عشر ومطلع القرن الذي يليه، تعود زيارةُ موسم النبيّ روبين، والتي اتُخِذَت موسماً سنويّاً ضِمن سلسلةِ مواسم عرفتها فلسطينُ منذ ذلك الزمن. فإذا كان موسم النبيّ صالح في الرملة قد ظلَّ يُعرَف بـ"خِفة دمه"،11 وإذا كان موسم النبيّ موسى مهرجاناً للتحشيد السياسيّ والتعبئة الاجتماعيّة12، وكذلك أربعاء أيوب عند جورة عسقلان، الذي كان موسِماً لميومة البحر والتطهّر فيه13، فإنّ موسم النبيّ روبين كان مهرجانَ الدِعة وشم الهوا والاصطياف على سوافي الرمل، خصوصاً بعد تحوّله إلى ذلك مع مطلع القرن الماضي. كانت كلُّ مواسم فلسطين تجري ليومٍ أو لبضعة أيام على الأكثر، من شهر نيسان في الربيع، بينما كان موسم النبيّ روبين ابنُ الصيف، امتدَّ على مدار أكثر من شهر، وفي بعض الأحيان كان يستمر إلى شهرين وأكثر، منذ مطلع آب وحتى أوائل تشرين.
طوال التاريخ العثمانيّ ظلّ موسم روبين محسوباً على مدينة الرملة وأوقافها، من حيث التنظيم والإنطلاق منها إليه، وذلك برعاية مؤسسة الوقف في المدينة. مع مطلع القرن العشرين، تحوّل تنظيمُ الموسم إلى يافا، وعُهِد تنظيمه إلى بلديتها، بعد أن غدت يافا المدينة التجاريّة والثقافيّة المركزيّة في منطقة السهل الساحليّ الأوسط.14
هذا التحوّل في تنظيم الموسم من الرملة إلى يافا، ليس مجرد نقلٍ في مسؤولية التنظيم من مدينةٍ لأخرى، إنّما هو نقلٌ من رعاية مؤسسة الوقف الدينيّة - التقليديّة في الرملة إلى إشراف مؤسسة البلدية الحديثة في يافا. وقد ترتّب على ذلك تحوّلٌ في بُنية الموسم ووظائفه. إذ خبا الحسُّ الدينيّ - الروحيّ للموسم وزيارة ضريحه، مع مطلع القرن العشرين لحساب الجانب الاجتماعيّ - الترفيهيّ على رمال ضفاف النهر وشاطئ البحر. وهذا ما اعتبره بعضُ الباحثين المعاصرين في فلسطين على أنّها عمليةُ تحديثٍ وعلمنةٍ للموسم، بعد أن شقّت الحداثةُ طريقها إلى فلسطين في مطلع القرن، وخصوصاً في مدن السّاحل.15
لروبين زفّتان
كان لروبين في موسمه زفّتان؛ زفّةُ البيرق (العلم)، وزفّةُ الثوب. تسبِقُ زفّةُ البيرق زفّةَ الثوب بأسبوعين، وذلك في بداية شهر آب، إذ ينطلقُ موكبُ زفّة البيرق في يافا من جامع المحمودية، حيث كانت تُُحفظ فيه بيارق وأعلام روبين، ويتقدّمه أعيانُ المدينة وبكواتها، عسكرها ومشايخها، وأصحابُ الطرق والتكايا ومن ثمّ عموم أهل المدينة. ومن المحمودية كان موكبُ الزفّة يسيرُ باتجاه ميناء البحر، هناك يلاقي البحّارةُ الزفّة وينضمون إليها ببيرقِهم الخاصّ بهم.16 ومن هناك إلى قلعة يافا، مروراً بأزقة المدينة وأسواقها، ثمّ العودة مجدداً إلى ساحة جامع المحمودية.
بعد أسبوعين من زفّة البيرق وإلى أن يكتملَ البدرُ كاملاً في منتصف شهر آب، تكون زفُّة الثوبِ للمقام قد حانت، وبها يؤم الناسُ نهرَ روبين ومقامه من كلِّ أنحاء وسط فلسطين وجنوبها. تنطلقُ زفّةُ الثوب من يافا يتقدمها بيرقُ المدينة، وثوبُ روبين الذي يُجلَّلُ به ضريحُ روبين ويُجدَّد في كلّ عام، ثمّ إلى ناحية القِبلة (جنوباً) من المدينة باتجاه روبين سيراً على الأقدام. يتدفق العِبادُ نهراً من البشر باتجاه النهرِ ومقامه، على وقع أخُفِّ الجِمال الصامتة، وقرع الطبول ورنّة كاسات المتصوفة، وغِناء شوباش شباب يافا.
في العادة، كانت زفّة الثوب للمقام تسيرُ على حرف البحر (على الشاطئ) من يافا إلى روبين، لأنّها الطريقُ الأكثر إثارةً ومباشرةً للمقام. لذا كان الجمل هو حيوان الموسم الأبرز، لأنّه الأقدر على السير مُحمَّلاً فوق رمل البحر، فيما يصعُب ذلك على الخيل.
كانت جِمال زفّة روبين تسير والناس إما على سِنامها أو خلفها، حتى تصل عند مصبِ نهر روبين في البحر، ثمّ تتجه الزفّةُ شرقاً وصعوداً نحو المقام، وإلى أن يصل موكب الزفّة مخاضة النهر، يكون الزوار خصوصاً السائرين منهم، قد قطفوا كلَّ أزهار النرجس، التي ظلّت تنبت عند مصب النهر في البحر، وعلى طول حواف ضفافِه حتى المقام.17 بعد أن يرد الجَملُ الذي يحمل ثوب الضريح ماءَ عين المليّحة، هو أول من يقطع النهر من ضفّته الشماليّة إلى الضفّة الأُخرى حتى باب المقام.18
ما أن تنتهي زفّةُ الثوب وتجليل ضريح روبين، وكلُّ طقوس زيارة المقام، مثل إيفاء النذور، والخِتان، وقصّ شعر الصغار تكون ضفافُ النهر وسوافي رمل البحر، قد تحوّلت إلى مدينةٍ من الخِيام، من أجل المبيت والاصطياف.
صناعة الشاطئ
لم يجرِ أن أعدَّ وعدّ الناس على رزنامتِهم السنويّة مثلما أعدّوا وعدّوا انتظاراً لموسم النبيّ روبين. كان روبين موسماً "تقوم وتقعد له الدنيا"، بتعبير الحاج غالب القلقيلي ابن مدينة يافا.19 استعدت له عائلات مدن وقرى قضائي يافا والرملة وحتى غزّة والقدس قبل أسابيع من حلوله، واستغرقوا وقتهم في تجهيز خيام الموسم، ومواقعها على ضفاف النهر وعلى طول حافة البحر من روبين وحتى مضارب عرب الصقرير جنوباً.
كان لكلِّ مدينةٍ وريفِها موقِعُها المتعارف عليه لنصب خيامها فيه، إلى حدٍّ كان متعارفاً فيه موقِعُ خيمة كل عائلةٍ من عوائل المدن الكبرى، مثل يافا والرملة واللد. وكانت البلدية هي من يُشرف على تنظيم الخيام وتحديد مواقعها بحسب كلِّ مدينةٍ وريفها، فخيامُ أهل يافا كانت تُقام من الجهة الغربيّة للمقام، ومن شماله خيامُ أهل مدينة الرملة، وبينهما خيامُ أهل مدينة اللد، بينما تُحيط خِيام فلاحي قرى يافا والرملة واللد خيامَ أهل المدن. أما "مُخيّم الوقف" فقد كان موقعه عند ضفاف نهر روبين وخُصِّصَ للضيوف والزوّار الرسميّين للموسم.20
معسكر خيام روبين. 1898. تصوير: Sepia Times/Universal
كانت كلُّ عائلةٍ تنوي الذهاب إلى روبين تتفّق مسبقاً مع جمّال ليأتِ بجملِه من أجل نقل حوائج العائلة ومستلزماتها. هذا على الرغم من توفر وسائل النقل الحديث مثل المركبات والشاحنات وحتى عربات الخيل، إلا أنّ رمال شاطئ روبين الرخوة والناعمة، حالت دون إمكانية وصول هذه الوسائل إلى داخل سوافي الرمل، فاستدعى ذلك استخدامَ الجِمال.
تبقى خيامُ زوّار روبين منصوبةً على مدار شهري آب وأيلول، مما كان يُحوِّل سوافي الرمل إلى شاطئٍ مأهولٍ بمدينةٍ من الخيام، وصل تعداد آهليها إلى أكثر من 50 ألف في بعض المواسم. الأسواق والبازارات، المطاعم والمقاصف والأفران، الدكاكين وبُسط الباعة، وكأن كلَ ما كان قائماً في مدينتي يافا والرملة كان يجري نقله إلى روبين وموسمه. ففي الوقت الذي كانت فيه حوافُ بحر يافا المدينة، حتى أواخر العشرينيات، وكأنّها "منطقة صناعيّة" للصنّاع ودبّاغة الجلود، أبُعدت عن أهل المدينة، كانت حافة روبين البحريّة قد تحوّلت إلى شاطىء بكلِّ ما تعنيه كلمة شاطئ من صناعة اجتماعيّة ثقافيّة في التاريخ الحديث.21
روبين شهر العسل
تتذكّر الحاجة فاطمة الكيالي ابنة مدينة اللد التي تزوّجت إلى يافا في ثلاثينيات القرن العشرين، أنّ شهر عسلها كان في موسم النبيّ روبين، وقد اقترن "شهر عسل" العُرسان في مدينتي يافا والرملة وقضائها بالموسم وزيارته.22 درجت العادةُ في حينه، خصوصاً أنّ الموسم كان يحلّ صيفاً مُتزامناً مع موسم الأعراس وحفلات الزواج، على تثبيت تواريخ موعد الزفاف قبيل حلول موسم روبين، وتحديداً لدى أهل يافا، وذلك لسببين، الأول: متعلق بإقامة دعوة الزفاف قبل أن يفرَّ الناس من المدينة إلى روبين. والثاني: من أجل إقامة شهر عسل العروسين في الموسم، كطقسٍ يتبعُ طقوس الزواج المتعارف عليها.
إنّ حفلات روبين الليلية وحضور المغنين والمغنيات القادمين من مصر والشام إليه، مما يُثير العرسان لإقامة شهر العسل في الموسم. وقد ظلّ صوتُ المغنية المصريّة فتحية أحمد مسترخياً يتوالد في مسامع زوّار موسم روبين في الأربعينيات، طوال عقود الاقتلاع والتهجير ما بعد النكبة.23 وقد كانت العروس تُحمَل إلى روبين بهودجٍ على جَمل مُزّين بالشراشيب الحمراء والخضراء، ومعها من يرنُّ الجرس أمامها، ليعرف الناس من رنة الجرس أنَّ الجمل يحمل عروساً متوجهةً إلى روبين.24
نبوءة التحولات
كانت ملامحُ تحوّلات موسم النبيّ روبين واضحةً كلّ الوضوح، خصوصاً مع مرحلة الانتداب البريطانيّ على البلاد (1918 - 1947)، وغزوة الحداثة لمدن ساحل فلسطين. في ظلّ ذلك صار روبين موسماً مدنيّاً ومدينيّاً، أكثر منه ريفيّاً، كما كان عليه زمن العثمانيين، على حدّ قول الحاج موسى السوقي من قرية بيار العدس: "روبين لأهل المدن مش للفلاحين"25، وربما هو ما أدّى إلى منع بعضِ رجال قرية يبنا من قضاء الرملة، -القرية الأقرب لموقع المقام- نساءهنَّ من الذهاب لزيارة روبين في موسمه.26
لم يعد موسمُ النبيّ روبين زيارةً دينيّة للتشفع بالمقام، بقدر ما صار مكوثاً على رماله للتخييم والاصطياف، كما لم يعد الموسم ذكوريّاً يغلب على زوّاره الرجال والشباب، إنّما بات عائليّاً يتقدّم زواره النساءُ والأطفال.27 ولم يعد نهريّاً على ضفاف نهر روبين، بقدر ما صار بحريّاً، يُعطي زوّاره مِن على الرمل وجوهَهَم لصدرِ البحر. كما صار روبينُ موسِمَاً ليلياً أكثر منه نهاريّاً، إذ كان رجال وعُمّال مدن يافا والرملة وريفهِما خلال شهري موسم روبين يبيتونَ ليلاً في روبين، ويُغادرونه صباحاً إلى أعمالهم وأشغالهم في المدن والقرى، ليعودوا إليه مجدداً في الليل.28
إنّ المثل المشهور القائل "يا بتروبني يا بتطلقني" كان مثلا مدنيّاً، قالته نساء مُدن يافا والرملة واللد لأزواجهنّ. بينما لفلاحي قضاء يافا والرملة مثلٌ على شكل نبوءةٍ سقط من ذاكرة الموسم، يقول "سنة إلي بيعمر روبين بتخرب فلسطين".29 يُعبّر هذا القول عن موقفٍ متحفظٍ من بعض مظاهر الموسم الاجتماعيّة، وعن نبوءةٍ بالخراب الذي سيترتب بالنسبة للبعض نتيجة هذه المظاهر، خراب سيطال فلسطين كلها.
ولقد كان لعب القمار والميسر، من المظاهر التي ساهم موسم روبين في تشكيلها، لا بل هناك من اعتبر القمار والرهان ثقافةً ساحليّة في فلسطين، تدرّب عليها الناس في روبين. فضلاً عن الإسراف وتبذير المال فيه، إذ كان يدخّر البعضُ المال على مدار العام من أجل موسم روبين لصرفه فيه، إلى أن يعودوا منه حُفاة بلا أحذيتهم، "ع الحديدة" على حد تعبير الحاج شعبان30، ومنهم من وصل به الحال إلى حدِّ بيع عفش بيته من أجل الذهاب لروبين31، فقيل في حينه، عن كل من أهمل بيته وأشغاله، "فُلان روبن". وحتى دراويش متصوفة قضاء يافا وريفها، طالتهم عضةُ الترف والمال، حتى صار بعضهم يستغل الموسمَ من أجل التجارة والربح.32
إنّ موقف البعض من مظاهر تحوّلات الموسم، يعود إلى مظاهر الانفتاح، والاختلاط الذي اعتبره البعض خدشاً للحياء، وخرقاً للعُرف والتقليد، كما اعتبر بعض أهالي المدن والقرى الذهاب لروبين تسكعاً وبطالةً، خصوصاً مع إغواء الاختلاط للشباب وشدهم إليه. إذ لم يتردد الحاج شعبان البدوي ابن قرية زرنوقة في القول: "كنا نروح روبين ندوّر نسوان".33
لم تكن أوتاد آخر خيمة من خيام الموسم تُقلع إلا بعد أول زخةِ مطر، يحل معها ذباب البحر34، الذي لولاه لما ترك زوّار روبين رماله. وذلك مع مطلع تشرين الأول، بعد أكثر من شهرين بأيامهم ولياليهم من موسم التمرغ على سوافي البحر، ورمله بلونه الأبيض السكري، الذي كان يمكن النوم عليه والقيام، دون أن يعلق على ثياب زائريه لنعومته، كما يقول غالب القلقيلي.
لم تعرف فلسطين ما قبل النكبة، مظاهر تجمعٍ وتجمهرٍ وترفيه مثلما عرفت في هذا الموسم، وهو الموسم الذي شهدَ تحولاتٍ على المستوى الاجتماعيّ - الثقافي لم يشهدها موسم آخر من مواسم البلاد في التاريخ الحديث. كان صيف سنة 1947، آخر عام أمَّ فيه زوّارُ الموسم مقامَهم، ففي صيف العام التالي، كانت قد اقتلعت مُدن وقُرى الزوّار، ولم يبقَ غير المقام والحجار، ورمل روبين وشجرتي تين.