شاب شجاع وسيمَ الطلعةِ جريئ مقدام يُدعى “غبيشي” من شرقيِّ الأردن، جاء لفلسطين مناضلا ومقوما مع المقاومين الفلسطينيين، أحبَّ فتاة ً رائعة الجمال تُدعَى “حسناء” وكان ذلك في العقد الرابع من القرن العشرين ، فترة الانتداب البريطاني على شرقيّ الأردن وفلسطين . وحسناءُ هذه تنتسبُ لقبيلةٍ قويَّةٍ وكبيرةٍ وعريقة في الأصالةِ والمناعةِ والشِّرفِ.. ولمَّا تقدّمَ غبيشي طالبًا يدَها من أبيها رفضَ أبوها مُصاهرتهُ لكون غبيشي فردا من قبيلةٍ صغيرةٍ وقليلة الشأن. ولم يدع غبيشي سبيلا أو دربا إلاَّ وسلكها لنيل مراده ومبتغاه… ولكن دون فائدةٍ.. ولأنَّ حبَّ غبيشي وحسناء كان صادقا وعميقا وعظيما وروحانيًّا مُنزَّهًا ومُجرَّدًا من النَّزعات والنزواتِ الماديَّة ولا يبصرُ الفوارقَ الطبقيَّة والجاهَ فقد قرَّرَا وَعزما النيَّة َ أن يتزوَّجَا ويهربا من ” الدِّيرة ” أو القبيلة.. وهذا ما حصلَ بالفعل رغم المخاطر والأهوال المرتَّبة والناتجة من ذلك التصرف. فهربا بدورهما بعيدا إلى منطقةٍ وعرةٍ منيعةٍ واستقرَّا على قمَّةِ جبل وهنالك اتفقا على أن يسهرَ كلٌّ منهما على الإخر خلال الليل وذلك اتقاءً ووقاية ً من خطر المباغتةِ من قبل قبيلة حسناء.. وبعد هروب حسناء وعشيقها غبيشي جُنَّ جنون والد حسناء وأقاربها والعشيرة بأجمعها فاستنجدُوا بالقائد الإنجليزي غلوب باشا (أبو حنيك) قائد قوَّات إمارة شرق الأردن (في عهد الإنتداب.. فتعهَّدَ أبو حنيك بإحضار رأس غبيشي فاصطحبَ كتيبة ً من الجدنود والحناطير والمصفحات ومدجَّجين بالأسلحة والرَّشَّاشات وشرعوا بالبحث عن العاشقين الفارّين (غبيشي وحسناء). وفي إحدى الليالي، عندما كان غبيشي نائما لاحظنت حسناء التي كانت تسهرُ على زوجِها وترقبُ المكانَ جلبة ً وضجيجَ عساكر وحناطير فأيقظتهُ وطلبت منهُ ” كفَّ الشَّرّ ” و”التَّحييد ” عن الجيش قبل أن “يطلُّوا ” فأنشدت الكلمات الشعريَّة الجميلة الصَّادقة وَردَّ عليها غبيشي بكلمات وتعابير في منتهى الصِّدق والرَّوعةِ والجمال.. وكانت هذه القصيدة التي جاءت على شكل حوار بين غبيشي ومحبوبتهِ حسناء بعنوان: “حَيِّدْ عن الجيشي يا غبيشي ” والتي سرعان ما انتشرت وذاعَ صيتُها في كلِّ مكان وأصبحَ الناسُ يُرَدِّدُونها ويغنُّونهَا في كلِّ مناسبةٍ ، في الأفراح والأعراس بألحان مختلفةٍ..وما زالت تغنَّى في أعراسنا وليالينا وأفراحنا إلى يومنا هذا. أمَّا نصُّ القصيدة كاملاً حسب معظم الروايات فهو: حسناء:
(“حيِّدْ عنِ الجيشي يا غبيشي……. قبل الحناطير ما يطلُّوا غبيشي:
(وَاحَيِّدْ عن ِ الجيشي لويشي……. ولْ يِقحَم غبيشي يا ذلُّو حسناء:
” عين دربَكْ زين شيل شدّي……. واقطع درب الصِّين واعَى تهدِّي تراهُنْ جايينْ فندي وفندِي…….معَاهُمْ مارتينْ وبرابيلُّو غبيشي:(ماخِذْ متراسي وقاعِدْ حاضرْ……. فرودي حُرَّاسي والخناجرْ وبساحة ْ برجاسي مين يخَاسِرْ……. ومِنْ عنِّة رصاصي يولُّو حسناء: ” يا ويلي عليكْ ويلي حينَكْ……. مالكْ قبيلهْ حتى تعِينَكْ وإن صابكْ إشي وحياة عينَكْ……. لقُصِّ الجديلهْ وشعري حِلُّو غبيشي: (وِينِكْ يا حسنا وقت العَركِهْ……. ودموم سايلِهْ مثل البِركِهْ وإن قتلوني إوعِكْ تبكي……. وغبيشي ارحمنوا حَسَنلُو حسناء: ” نزلْ العسكرْ ووقف القايِدْ……. وبصوتو الغدَّارْ قتلَكْ رايِدْ يا الله يا ستَّارْ كلّ سايدْ……. وغبيشي المغوارْ لا يذلُّو عبيشي: (قوطرُوا صوبي يبغوا قتلي……. مشيوا دروب إل ما بغتلي سمعت محبوبي يزغرتلي……. أعطيتهم نوبِهْ قلوب خلُّو حسناء: ” لوِ إنَّكْ جبان ما حَبِّيتَكْ……. تقهَر العدوانْ يُعمُرْ بيتَكْ باكِرْ في البلدانْ يفقعْ صيتَكْ……. تسمَع العُربانْ وتجلُّو (تجلُّو) غبيشي:(لا يهمني الجيش ولا الدولِهْ……. بيدي إم كركار وإلهَا صُولِهْ وقت شبوب النار تبقي تقولي……. وغبيشي الغوار لا تذلُّو هَدَر الماتورْ وإجَا العسكَرْ……. إثننعشَرْ طابُورْ والاَّ أكثرْ والسيف المشهُورْ وفردي المَنشرْ……. وعددهُم موفورْ الله يقلُّو شوفي رصاصاتي ما يخيبُو……. بقلوب عداتي دوم يصيبُو وثلاث ساعات قبل ما يغيبُو……. راحُوا شتاتي وما يندلُّوا غبيشي:(” بُو حنيكْ” أعطيتُو منِّي هديِّهْ……. ثلاث دعيتو بحالِهْ رثيِّهْ وخرَّبتْ بيتُو بها العطيِّهْ……. وخلفي رميتُو بطنُو يغلُّو حُطّي إيدِكْ بيدِي لنوَلّي……. لوين تريدي ما تندَلّي والعيشِهْ طريدِهْ ولا تذلّي……. ولا تقلُّو سيدي وتخضعلُو سافرُوا العشَّاق بليل الدَّاجي……. يا عناق وبوس وضمّ وغناجي يا الله للمشتاق تقضي حاجِهْ……. والحلو ما يِنذاقْ تا تذوق خِلُّو بقلم: حاتم جوعيه – المغار – الجليل
الجبال حيث يمضون حياتهم مطرودين وتقول الأغنية:
حَسنا : حَيّدْ عَنِ الجيشِ يا غْبيشي قَبل الحَناطيرِ ما يْطِلّوا ما يْطِلّوا
غبيشي: ما حيدْ عَنِ الجيش لويشِ وَاللي يعادي غبيشي يا ذِلوا يا ذِلوا
غبيشي :ميخِذْ مِتْراسي وقاعِدْ حاضِرْ فْرودي وحُراسي والخَناجِرْ
ساحِةْ بِرْجاسي ومينْ يِخاطِرْ مِنْ عَنّات رْصاصِ يوَلّوا يوَلّوا
حسنا : عَيّنْ واضْرُبْ زينْ شيلْ وشدّي واقْطَعْ أرْض الصين ولا تْهَدّي
تَراهُمْ جايين فِنْدي بْفِندي مَعاهُمْ مَرْتينْ وبرابِلّو وبرابِلّو
غبيشي: ما يِهِمْني العَسْكَرْ ولا الدولِة بيدي مْكَرّرَ وِلْها صولِة
عِندْ شْبوبْ النارْ تصير تْقوله أبو حْنيكْ الغَدّار الله يذلّه الله يذلّه
حسنا: يا ويلي عَليكْ ويلي حالك مالَكْ قبيلة حتى تعينك
وان صابك مثلي وحياة عينك لا اقص جديله وشعري بحله وبحله
غبيشي : وينك يا حسنا وقت العركة دمومي سايلة زي البركة
وان قتلوني اصحي تبكي وغبيشي ارحمونوا احسن له احسن له
حسنا: زمر الزامور ونزلوا العسكر ثمنتاعشر طابور والا اكثر
بالسيف المشهور وفرد الموزر عددهم موفور الله يقله الله يقله
غبيشي: طاحت العسكر ونزل القايد وبصوت الهدار قتلي رايد
يا رب يا ستار كون لي ساند وغبيش المغوار ولا تذله ولا تذله
قوطروا صوبي يريدوا قتلي ومشوا في دروب اللي ما بانت لي
اسمعت محبوبي بيزغرتلي واعطيهم نوبي وقلوبهم خلوا
ابو حنيك اهديته مني هديه ثلاثة اعطيته بحالي رديه
خربت بيته بالهعطيه مرمي خليته بقلبه غله
وينك يا حسنا تعالي هنيه واحنا انتصرنا وشفينا
انت بصرنا وما عينينا حبك اسرنا وقربك حل حل
حسنا: لو انك جبان ما حبيتك قاهر الفرسان يعمر بيتك
باكر في العربان يعلى صيتك وبنات العربان بيتجلوا بيتجلوا
غبيشي: حط ايدي بيدك لا نولي مطرح ما تريدي وما تندلي
ونعيش طريدي ولا تذلي ولا نقولوا سيدي ولا نخضع له
معاني المفردات
حيد : ابتعد
غبيشي: اسم البطل
الحناطير: عربة حصان فيها جنود
يذل: حسرة
ميخذ: يحمل
متراس: الترس للحرب
فرودي: جمع فرد، مسدس
برجاسي: ساعة المعركة
عين: سدد بالهدف
زين: بشكل جيد
شيل وشدي: شدد على الزناد
لا تهدي: أن لا يبقى في مكان خوفاً من إلقاء القبض عليه.
فندي بفندي: جندي بجندي
مرتين: اسم بارودة
برابلو:سلاح
بيدي مكرر: بيدي فرد سلاح
لها صولي: صوتها قوي
شبوب النار: اشتعال الحرب
ويلي عليك: حسرة عليك
مالك قبيلة: لا قبيلة لك
شعري بحلوا: تنثر شعرها حزنا عليه
دمومي: دمائي
اصحي: نفي أي لا
ثمنتاعشر: 18
لا تذله: لا تحقره
قوطروا: ذهبوا
يتجلوا: يتفاخروا
لا نولي: نهرب
مطرح: مكان
تندلي: تعرفين
طريدي: مطاردين