هبة حسين دراغمة / موسوعة التراث الفلسطيني
لم يكن صياحُ الديكِ المنتصب على جدارِ الحائط الخارجي لمنزل الجيران سببًا أوَّليًا في إيقاظ العائلة تلك الليلة، وحدها لقمةُ العَيشِ منَ فعلت..
وقبل إشراقةِ شمسِ الصباح وبعد أداء صلاة الفجر، كانت الحاجة "أم عمر" قد هيَّأت وعائلتها أنفسهم ليومٍ آخرَ متعب؛ لبست ثوبها، ملأت القِربة بالماء، وناولتها لوَلدها الأكبر. وأمَّا البقية، فحملوا عتاد حراثة الأرض وزرعِها مع طعامٍ لسدِّ جوعهم بعد أداء عملهم.
وما إن أتمَّ "أبو عمر" تجهيزات الماشية حتى انطلقوا إلى وجهتهم المعتادة، حيثُ الأرض.
وخلال طريقهم الطويل، آنستهُم أصواتُ الأهلِ والجيران المتجهين لذات الغاية في أراضيهم القريبة منهم، مع شبّابة الفتى الذي يمتطي حماره وصياحُ الديَكة القادمة من بعيد، ممتزجةً جميعها بنسيم الهواء البارد وشغفٍ لا متناهي نحو مبتغاهم.
وعند وصولهم، ما إن وقفتَ في الخلف، حتى رأيتَ لوحةً لا متناهيةً في الجمال؛ الأرض على امتدادها، وأم عمر بثوبها المردَّن ذات الطابع الفلّاحي واقفةً بالقرب من الماشية، وأبا عمر بقمبازه البسيط والمتروك لمثل هذه الأوقات من العام -متخلِّيًا عن جاكيته الذي لا يليق بهذاالحدث- وابنه يجهّزا عدّة الحراثة، ليقابلهم في الجهة الأخرى من الأرض باقي الفتية الأربعة بقمصانهم وبلاطينهم القماشية، والفتيات الثلاث بأثوابهن الطويلة والخالية من التطريز إلا في قليل من أكمامها، يستعدون جميعًا لبدء العمل. وفي الجانب القريب، ترى قربةً موضوعةً باتجاهٍ معاكسٍ لإشراقةِ الشمس، كي لا تفترَ برودة مائها.
ومع اقتراب الغروب، كانت العائلة قد أنهت ما عليها؛ فحَرثت الأرض وزرعت بذور القمح، وتجهزت للعودة.
وما إن وصلوا، حتى بدأت استعدادات تجهيزِهم لتَعليلة حنّاء ابن الجيران..
تفاصيل المردَّن والقمباز:
أحضرت أم عمر ثوبها المردن ذا الأكمام الواسعة، مع سروالٍ داخلي (لْباس) واسع من القماش مزمومًا من الأسفل بواسطة خيط، وثوبًا داخليًا له حمّالتين على الأكتاف.
ثمَّ جلبت ردانها الحريري، لبسته ولفت كمّه الأيمن على يدها اليمنى وكمَّه الأيسر على يدها اليسرى، و أمسكت ما تبقى منهما ورفعتهما من كلتا الجهتين على رقبتها ليكوّنا في الخلف حرف (X)، وما تبقّى أدخلته من الأمام في الزنّار (أو الشملة، وهي قطعة مربعة من القماشالحريري تُطوى عدة طيّات وتوضع على الوسط وتربط من الخلف، وتَحمل بالعادة اللون الأحمر المخطط بالأبيض) ثم أحضرت الزمَّات وارتدت كل واحدة منهما في يد، من الرسغ حتى المرفق (الزمّات: قطعة من الحرير أو القماش تلبس في اليد وتكون مزمومة الأطراف، وطولها منالرسغ حتى المرفق) ولبست فيما بعد ثوبًا أبيضًا من المخمل تصل يداه إلى المرفق. ووضعت على رأسها منديلًا أخضرًا معرَّقًا بالأصفر، وفوقه يانس أبيض (خرقة/شاش) من الجورجيت، ولبست كندرة سوداء في قدميها.
وما إن أتمت ارتداء ثوبها، حتى جاء "أبو عمر" بقمبازِه ذي اللون الرمادي المخطط بالأسود، والمكون من ديمايةٍ يتوسطها حزامٌ في منطقة الخصر، يكسوها جاكيتٌ من ذات اللون والقماش. مع حطةٍ (شورة، وكانت تُعرف أيضًا باسم الموسلين نظرًا للقماش المصنوعة منه) في منطقة الرأس، يعلوها عقال أسود (وعندما دخل الاسلام إلى فلسطين، حُرِّم على الرجال التشبّه بالنساء، واستبدل العقال المطرَّز بعقالٍ لونه أسودفي الغالب، وهو أشبه بالحبل، ويكون بشكل دائرتين فوق بعضهما، ويتصل به في الخلف خَيطان يتدليان خلف الرأس، وينتهى كل واحدٍ منهما بشراشيب صغيرة، وأحيانًا بخيطٍ مجدولٍ سميك) وكندرة في قدميه.
وفي منتصف البيت اجتمعوا للذهاب، الأم بثوبها المردن، وزوجها وأبنائه بقمبازهم، والبنات بقفاطين مقلَّمة بعد ألوان (القفطان أشبه ما يكون بالديماية النسائية، خالٍ من التطرير، وعُرف باسم درب البوسطة إشارة إلى نوع القماش المستخدم فيه) وانطلقوا حيث عرس الجيران.
بقي "أبو عمر" وأبنائه في الساحة الخارجية مع الرجال، ودخلت "أم عمر" وبناتها إلى شق النساء. وهناك كانت النسوة إضافةً إلى زغاريدهن وأهازيجِهن متزيناتٍ بأثوابِهن مع اختلافات بسيطة في التفاصيل؛ فمنهن مَن ارتدت ثوبًا كما "أم عمر"، ومنهن من وضعت الصمادة (قطعة دائرية من القماش) تحت منديلها الأخضر وربطت بالقرب من منطقة أذنها خيطًا مجدلًا من الحرير بزرٍ قريب من منطقة الأذن الأخرى، لِيتدلى من كلا الطرفين خيطان (يسمَّيان بالبنود ويرتبطان سويًا في منطقة العنق ويُقطبن) موضوعًا الذهب بقطبتِهما. وأما الفتيات فتعددت ألوان قفاطينهن وطرق تزيينها، فمنهن مَن سرَّحت شعرها وعقدته بالقرمول (شراشيب خميلة مغزولة من الصوف ومصبوغة باللون الأسود) وجدلتهما سويًا، وأدخلت الجدلة الطويلة في زنّارها، ومنهن من لبست شالًا حريريًا وأظهرت أطراف شعرها منه.
وما إن دخلت العروس للحناء -بقفطان طويل ويانسٍ في الرأس مصدَّف ومفتوح على منطقة العنق مع صفَّةٍ من الذهب على الجبين (يكون بالعادة من سبعإلى ثمان عصملّيات) وذهب في منطقة الصدر- حتى بدأت أصوات الغناء بالارتفاع ممتزجة مع وقع دبكة الرجال في الخارج وصوت أغانيهم.
تاريخ الأزياء الشعبية الفلسطينية:
يعتبرُ الزيُّ الفلسطيني فرعٌ من أفرع التراث ووثيقةً لامتلاك الأرض، وتختلفُ في البلاد الفلسطينية طرقُ ارتدائه وتكوينه مع تشابهاتٍ في الأصلِ والتطريز.
وإذا ما بحثنا عن أصلِ الزي الشعبيّ الفلسطيني وتاريخه، سنعثر على حقيقةٍ تشير إلى أنَّ الأزياء الفلسطينية قديمةً ويكاد ظهورها يعادل ظهور الإنسان الفلسطيني. ويعتبر أقدم ظهورٍ له خلال العصر الحجري القديم، منذ (٢٨٠٠٠٠) قبل الميلاد. ولكن الدلائل المادية الملموسة التي تشير إلى اللباس في فلسطين هو التمثال الذي عثرت عليه "مس كاثُولين كينيون"، وتاريخه يعود إلى الألف السابعة قبل الميلاد. (١)
وأما فن التطريز، فقد أوجده أجدادنا العرب القدماء الذين عرفوا في التاريخ القديم باسم الكنعانيين. (٢)
ما بين المردَّن والقمباز، طرقٌ استغلّها الفلسطينيون في مقاومتهم ضد الاحتلال وحياتهم اليومية:
لم يكفّ الشعب الفلسطيني يومًا عن إيجاد طرقٍ للدفاع عن أرضه وتمسّكه بها، فمنذ مجيء الاحتلال الإسرائيلي إلى البلاد، تعددت وسائل الصَدّ وبأبسط المعدات. واتَّخذَ الشعب من ثيابهم وسيلةً لهذا، إذ قام الشاب الفلسطيني باستغلال ديمايته وسرواله، وكلّما عَلِم من هنا وهناك بوجود قواتٍ للاحتلال في بلده، حتى أدخل ديمايته بسرواله كي لا تعيق حركته، وأسرع لقذف الحجارة عليهم. حتى أن بعضهم كان يستغل الديماية بوضع الحجارة فيها؛ يرفعها ويطويها ويجعل منها جُحرًا ملائمًا لتخزين عدّته التي لن تمكث طويلًا حتى تطير في الأعلى، باتجاه هدفه. وأما النساء فكانت الواحدة منهن تضع سكينة وتخفيها عرضًا في زنارها، حتى إذا ما تعرض لها جندي ما، أخرجتها لتخويفه والدفاع عن نفسها.
ولم يتوقف الأمر هنا وحسب، فمنهم من استغل ثيابه في أمورٍ أخرى كجمع حبّات الزيتون داخله بذات الطريقة التي كانت تجمَّع بهاالحجارة. وكانت تثبِّت النسوة أطفالهن في مواسم قطف الزيتون وحصاد الأرض وراء ظهورهن إن ضاق بهن الأمر ولم يجدن أحدًا ليمسك بهم، معتمداتٍ بهذا على أكمام المردن الطويلة والواسعة، وعقدةٍ تجمع بينهما في أعلى الرأس.
محاولاتٌ قائمة ومستمرة لسرقة الثوب الفلسطيني:
بالعادة، لا يكفُّ السارق الحقيقي عن السرقة، بل يبتكر طرقًا أخرى أكثر دناءَة، كنسبِ المسروق إليه.
وهذا في حقيقة الأمر ما نواجهه في زماننا وأوطاننا، فمنذ اغتصاب الأرض وتهجير أهلها، لم يقف الأمر على هذا وحسب، بل وانتقل أيضًا إلى سرقة تراث أصحاب المكان ونسبه لسارِقه. فأقامت الحركة الصهيونية في عواصم أوروبا والعالم عدة معارض لأَزيائنا الفلسطينية، ومنها معرض الأزياء التي أقامته زوجة "موشي ديان" في قاعة البيت الأبيض الأمريكي، وكان المعرض لثياب فلسطينية أخذها الصهاينة عنوة من أهلنا في الأرض المحتلة ونسبوها إليهم. (٤)
والجدير بالذكر أنَّ "موشي ديان" قد طالب آنذاك في اجتماع الكنيست الاسرائيلي بضرورة تكوين مؤسسة مهمتها شراء المطرزات الشعبية الفلسطينية القديمة، وكل ما يتعلق بالتراث وخاصة المطرزات. وقد وافق الكنيست الاسرائيلي على مطلبه، ورصدت أموال طائلة للقضاء على تراثنا الفلسطيني، وقد نشر ما يؤكد هذا في صحيفة بألمانيا الغربية عام ١٩٧٤. (٥)
وما زالت المحاولات الاسرائيلية مستمرة إلى الآن في سرقة تراثنا، من منطلق أنه وثيقةٌ لامتلاك الأرض.
نحتاج صَحوة:
في الحقيقة نحنُ ندرك تمامًا أنَّ التراث جزءٌ لا يتجزأ منا، وندرك أهميته. ولكنَّنا ومع الأسف نعاني من نقصِ الطاقات البشرية التي تسعى للحفاظ عليه وتعريف الناس به داخليًا وخارجيًا، بل ونعاني من نقص الحسّ الوطني الذي كثيرًا ما كان سببًا في ضياع حقوقنا. وما يزيد من هذا هو رحيل العديد من الأجداد الذين لطالما تمسّكوا بتراثنا، وانشغال معظم الأبناء بمواضيع أخرى بعيدة كل البعد عن التراث والتاريخ.
ولهذا فإننا نحتاج صحوة، صحوة حقيقية تدفعنا للبدء من هنا، من التراث الذي هو لنا.. حتى وإن كانت أملاكنا تعرف أصحابها كما يعرف الزيتون غارِسيه، علينا التعريف بها وإظهارها.
المصادر والمراجع:
(١): عبد الرحمن المزين، موسوعة التراث الفلسطيني -الأزياء الشعبية الفلسطينية-، ص٥٧.
(٢):عبد الرحمن مزين، عبد الرحمن المزين، موسوعة التراث الفلسطيني -الأزياء الشعبية الفلسطينية-، ص١٥.
(٣): عبد الرحمن المزين، موسوعة التراث الفلسطيني -الأزياء الشعبية الفلسطينية-، ص٢٢٤.
(٤): عبد الرحمن المزين، موسوعة التراث الفلسطيني -الأزياء الشعبية الفلسطينية-، ص٢١٠.
(٥): عبد الرحمن المزين، موسوعة التراث الفلسطيني -الأزياء الشعبية الفلسطينية-، ص٢١٠.