هيفاء دراغمة/ فلسطين
طقوس الاستسقاء في القرى الفلسطينية – طوباس نموذجًا
في الأيام التي يتأخر فيها المطر، كانت القرى الفلسطينية تعيش حالة من القلق المشوب بالأمل، فيلجأ الأهالي إلى عاداتٍ جماعية تمزج بين الدعاء، والأغاني الشعبية طلبًا للغيث والخصب.
في طوباس، كما في كثير من القرى، كانت النساء، الأطفال والشباب يشاركون معًا ويجتمعون، الشباب في المقدمة ومن خلفهم النسوة، يطوفون بالأزقّة وهم يغنّون أهازيج خاصة بالمطر، تملؤها المناجاة والتوسّل بالله أن يرسل المطر على الزرع والحقول.
الجاروشة وطقوسها:
تحمل النساء الجاروشة (الرحى الحجرية) في موكبٍ رمزي، يجتمع حولها الأطفال والنساء الكبار.
تجلس عندها امرأة عجوز يدعونها “أم عباس” أو “العجيز”، وتبدأ بتحريك الجاروشة كأنها تطحن القمح في الليل، بينما تتعالى أصوات النساء بالبكاء والإنشاد:
مالِك تِجرشي في الليل يا أم عباس
من قِلّ المطر والسيل على طوباس
ثم يردّدوا:
يا رب تشتي وتزيد
على الزارعين جديد
يا رب تشتي وتنقط
تيجي الحصيدة ونلقّط
يا رب شتوة هيعة
تيجي على البقيعة
يا رب شتوة زحلقة
تيجي على راس المزلقة
الدعاء والغناء الجماعي:
يمتزج الدعاء بالأنين والغناء الشعبي، فيغدو المشهد أشبه بموكب روحيّ يسير بين البيوت.
يهتف الأطفال:
يا ربنا يا ربنا
نحنا صغار وش ذنبنا
طلبنا الخبز من أمنا
ضربتنا على فمنا
ويردّد الجميع:
يلا الغيث ويلا الغيث
وحرقتنا شمس الصيف
الدور حول الجامع والدعاء:
عند اقتراب النساء من الجامع، يدرن حوله، يرفعن الأكف بالدعاء ويقبّلن جدرانه، مردّدات:
نبي طوبا جينا ليك
رشق المطر يعبر فيك
سيدي طوبا يا سيدي
لأضوي شمعاتك بإيدي
وإن صادفوا في طريقهم امرأة كبيرة في السن، يضعون الجاروشة أمامها لتدعو هي أيضًا وهي تديرها قائلة:
مالِك تجرشي في الليل يا عجيز
من قل المطر والسيل يا عجيز
وتبدأ النساء بلملمة ثيابهن والوحوحة وكأن البرد بدأ فعلاً (أحّي أحّي...)، إيذانًا بأن الغيث قريب.
الإيمان والفرَج:
تقول الحاجة أم عمر إن المطر كان غالبًا يهطل في اليوم التالي بقدرة الله ورحمته، فتقول النسوة بفرح:
“فرجِت!”
ثم يتعاهدن بأنهنّ لن يخبئن القمح بعد الآن، بل سيقدّمن منه للفقراء شكرًا لله.