لا تقلقوا كثيرًا… الهوية التي أنجبت القدرة الخليلية لا تُحذف من كتاب

  • الرئيسية
  • لا تقلقوا كثيرًا… الهوية التي أنجبت القدرة الخليلية لا تُحذف من كتاب
  • لا تقلقوا كثيرًا… الهوية التي أنجبت القدرة الخليلية لا تُحذف من كتاب

لا تقلقوا كثيرًا… الهوية التي أنجبت القدرة الخليلية لا تُحذف من كتاب

موسوعة التراث الفلسطيني | لا تقلقوا كثيرًا… الهوية التي أنجبت القدرة الخليلية لا تُحذف من كتاب

فلسطين: م. غسان جابر 

في زمنٍ باتت فيه الكلمات تُقصّ كما تُقصّ أظافر مزعجة، ويُعاد ترتيب الجُمل الوطنية كي لا تجرح حساسية أحد، يظن بعضهم أن الهوية الفلسطينية يمكن إدارتها بالطريقة نفسها التي يُدار بها جدول الحصص المدرسية: حذف هنا، تعديل هناك، وتخفيف “الحمولة السياسية” إلى أن يصبح التاريخ خفيفًا… لدرجة أنه يطير.

نعم، يجب أن نقولها بوضوح لا يحتمل التأويل:

تغيير المناهج على هذا النحو عمل غير مرحّب به وطنيًا، حتى لو قُدِّم كأمر واقع، أو كإملاء لا مفر منه، أو كضرورة مرحلية.

فالمنهاج ليس دفتر واجبات، بل خزان ذاكرة، ومن يعبث به يعبث بمستقبل شعب كامل.

لكن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد أن الهوية الفلسطينية محصورة بين غلافي كتاب.

فالهوية هنا أقدم، وأعمق، وأذكى من أن تُمحى بممحاة.

دعونا نخرج من اللغة الخشبية، وندخل إلى المكان الذي لا يكذب ولا يناور: المطبخ الفلسطيني.

المقلوبة… حين ينقلب الطبق ولا تنقلب الحقيقة

المقلوبة فلسطينية الأصل، شاء من شاء وأبى من أبى.

طبق يُقلب بعد الطهي، وكأن اسمه يحمل رسالة سياسية خفية: الرواية تُقلب، لا تُبتلع.

كانت تُعرف قديمًا بـ”الباذنجانية”، يوم كان الباذنجان أساسها، ثم توسعت كما توسعت الحكاية الفلسطينية نفسها.

انتشرت في الأردن وسوريا والعراق والسعودية لأنها لذيذة، لا لأنها بلا هوية.

وهذا فرق يجب أن يُفهم جيدًا:

الانتشار لا يلغي الأصل.

الكنافة النابلسية… حلوى لا تقبل المساومة

الكنافة النابلسية ليست حلوى تُؤكل على عجل، بل موقف ثقافي.

جبنة نابلس العكشة، خيوط ناعمة، سمن صريح، وقطر لا يعتذر عن نفسه.

قد يختلف المؤرخون في جذورها الأولى، لكن نابلس فعلت بها ما تفعله الأرض الأصيلة بكل وافد: حوّلته إلى ابن بيت.

الكنافة النابلسية لا تحب “التطوير”، ولا تفهم معنى “التخفيف”.

وهذا درس سياسي بليغ:

ما يحافظ على جوهره… يبقى.

المسخن… هوية تُؤكل بالخبز

المسخن ليس طبقًا محايدًا.

هو بصل كثير، وزيت زيتون فلسطيني أكثر، وسماق يرفض التوازن الزائف.

المسخن لا يُطهى بسرعة، ولا يُؤكل ببرود، ولا يُقدَّم دون خبز طابون.

المسخن فلسطيني، لأن زيت الزيتون فيه ليس مكوّنًا، بل وثيقة ملكية.

القدرة الخليلية… الطعم الذي لا يُهاجر

وهنا لا بد من وقفة احترام أمام القدرة الخليلية الأصلية.

القدرة التي لا تُؤكل إلا في الخليل، ولا تُتقن إلا بأيدي أهلها.

نعم، حاول كثيرون نقلها خارج الخليل.

في مدن أخرى، في مطاعم فاخرة، حتى في مطابخ بعيدة.

الاسم موجود، الشكل مقبول، المكونات متشابهة…

لكن الطعم؟

الجودة؟

الروح؟

ليست حتى قريبة.

لأن القدرة الخليلية ليست وصفة مكتوبة، بل ذاكرة مدينة.

تجربة، وصبر، وأيدٍ تعرف متى ترفع الطنجرة ومتى تتركها.

وهذا ينسحب على الهوية كلها:

يمكن تقليد الشكل، لكن الجوهر يبقى في مكانه.

خبز الطابون… ذاكرة تُخبز كل صباح

خبز الطابون ليس تفصيلًا غذائيًا.

هو خبز يُخبز في فرن مدفون في الأرض، على حجارة ساخنة، برائحة دخان خفيفة، كأن الأرض نفسها تشارك في العجن.

يُكسر باليد،

يُغمس بزيت الزيتون،

ويُؤكل بطمأنينة.

خبز الطابون يقول ما لا تقوله الخطب:

الهوية التي تُعجن يوميًا لا تُمحى.

هنا بيت القصيد: من المسؤول؟

بعد كل هذا، لا يجوز الاكتفاء بالوصف أو السخرية.

السؤال الجدي الآن: من المسؤول عن حماية الذاكرة؟

الإجابة ليست غامضة:

الفصائل السياسية، والنخب الوطنية، والمثقفون، وأصحاب القرار.

لا يكفي إصدار بيانات، ولا التنديد الموسمي.

المطلوب عمل منظم، واضح، ومستمر.

1- كتب وطنية مبسطة، تُكتب بعناية ومسؤولية، تحكي التاريخ كما هو، بلا تزويق ولا خوف.

2- نشرات وطنية توزع على طلبة المدارس والجامعات، في المناسبات الوطنية، وفي الحياة اليومية، لا فقط في الأزمات.

3- مواد تثقيفية للكادر والشباب، تُعيد ربط الأجيال بالرواية الأصلية، بعيدًا عن أي عبث أو تمييع.

4- محتوى يُقدَّم بثقة، لا باعتذار، وباعتزاز لا بتبرير.

من يترك ساحة التعليم فارغة،

لا يحق له أن يشكو ممن يملؤها.

ومن يتقاعس عن إنتاج معرفة وطنية بديلة،

يساهم — بصمته — في تآكل الذاكرة.

نقول : ما لا يُمحى

قد يُعدَّل منهاج،

وقد تُحذف أغنية،

وقد تُخفَّف كلمة،

لكن الهوية التي أنجبت:

المقلوبة،

والكنافة النابلسية،

والمسخن،

والقدرة الخليلية،

وخبز الطابون…

لا تُمحى.

لأنها ضاربة في جذر الأرض،

ولأنها تُؤكل وتُغنّى وتُعاش… لا تُحفَظ فقط.

المنهاج قد يتغير،

لكن الشعب الذي يطبخ هويته كل يوم،

ويكتب تاريخه بيده،

ويعلّمه لأبنائه خارج أي قيد…

باقٍ.


صور

ا تقلقوا كثيرًا… الهوية التي أنجبت القدرة الخليلية لا تُحذف من كتاب

ا تقلقوا كثيرًا… الهوية التي أنجبت القدرة الخليلية لا تُحذف من كتاب

ا تقلقوا كثيرًا… الهوية التي أنجبت القدرة الخليلية لا تُحذف من كتاب

ا تقلقوا كثيرًا… الهوية التي أنجبت القدرة الخليلية لا تُحذف من كتاب

مقاطع فيديو

موسوعة التراث الفلسطيني

هي منصة رقمية تهدف إلى توثيق وحفظ الموروث الثقافي الغني للشعب الفلسطيني، بكل ما يحمله من عادات وتقاليد وفنون وموروثات مادية وغير مادية. تسعى الموسوعة إلى إحياء الذاكرة الجماعية الفلسطينية، من خلال تسليط الضوء على القرى المهجرة، واللباس الشعبي، والمأكولات التراثية، والحرف اليدوية، والأمثال والحكايات الشعبية، وغيرها من عناصر الهوية الثقافية التي تشكل وجدان هذا الشعب الأصيل. تقدم الموسوعة محتوىً معرفيًا موثقًا، يستند إلى مصادر تاريخية وأبحاث ميدانية.