كانت قهوة الحجازي في القدس القديمة ديواناً ليس للكبار فحسب، بل للذاكرة أيضاً. كل مساء، كان رشيد العيسى يجلس على دكة خشبية مرتفعة، صوته رخيم يحمل نبرات الفرسان والنساء.
في ليلة باردة، تدثر فيها الحضور بالصوف، بدأ رشيد بسرد سيرة عنترة بن شداد. لم يكتفِ بالقتال؛ بل صاغ الحكاية لتخدم واقعهم:
"قال: ووقف عنترة أمام قومه وقد اشتعلت عيناه حنقاً، لا لشيء إلا لكونه يريد حقاً ويُمنع منه! أتاه الغزاة يوماً يطلبون خيله وأرضه، لكن عنترة لم يكن فارساً بالقوة وحدها، بل بالذكاء. بدل أن يواجههم في سهل، جرّهم إلى مضيق يعرفه شبراً شبراً. وهناك، لم يواجه الجيوش، بل واجه الظالمين واحداً تلو الآخر، يردد: الشجاعة لا تكتمل إلا إذا كانت لحماية الحق والناس المستضعفين."
كان الحاضرون يرون في عنترة صورة للفلاح الذي يدافع عن أرضه، ويختتم رشيد بحكمة: "الأرض لا تُصان بالصراخ، بل بالحيلة والفطنة"